كيف أثر انهيار الليرة التركية على السوريين في أنطاكيا؟

تواصل الليرة التركية للأسبوع الثاني على التوالي انهيارها أمام العملات الأخرى وعلى رأسها الدولار الامريكي واليورو الأوروبي، متأثرة بعدة عوامل سياسية واقتصادية كان آخرها الأزمة التي نشبت بين الولايات المتحدة وتركيا، بعد قيام تركيا باعتقال القس الأمريكي “أندرو برانسون” في تركيا وتوجيهها له تهمة “الإرهاب والتجسس”، وهو ما دفع واشنطن لفرض عقوبات على وزيري العدل والشؤون الداخلية التركيين تلاهما قائمة حظر لبعض البضائع الصادرة لتركيا وفق ما أعلنه الرئيس الأمريكي “ترامب” عبر حسابه في تويتر مؤخراً.

وعلى الرغم من أن هذه العقوبات لم تتجاوز حد بعض الشخصيات السياسية في الحكومة التركية، إلا أنها ألحقت أضراراً جسيمة على المستوى المعيشي للشعب التركي وغيره من الأجانب المقيمين على الأراضي التركية ومن بينهم السوريين الذين كانوا أشد الفئات تأثراً بتراجع الليرة التركية في ظل الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها أغلبهم منذ لجوئهم لتركيا.

الحكومة ترفع أسعار الخدمات وتوجيهات لدعم العملة الوطنية
في ظل ما وصفه مراقبون بـ “الكارثة الاقتصادية” التي تشهدها تركيا بالتزامن مع انهيار عملتها أمام الدولار، رفعت الحكومة التركية من نسبة الضرائب والرسوم الحكومية المفروضة على الخدمات إضافة لرفع أسعار الاستهلاك بنسبة 9 % تقريباً، حيث وبعد إجراء استطلاع ومقارنات على فواتير الكهرباء والمياه بشكل خاص ومقارنتها بنظيراتها قبل شهرين، تبين أن الحكومة زادت من رسوم الكهرباء لحد كبير.

ويقول اللاجئ السوري “محمد القاسم” في حديث لـ “أورينت نت”، أنه “وبعد استلامي لفاتورة الكهرباء هذا الشهر صدمت من المبلغ المترتب علي لقد كان 127 ليرة تركية، علماً أنني لا أمتلك في منزلي سوى ثلاجة (براد) فقط مع مروحة عامودية للتبريد، وبعد مراجعة الفاتورة تبين أن كمية استهلاكي للكهرباء هي 76 ليرة تركية فقط وما تبقى موزعة بين رسوم عداد وبدل خدمة ورسم اشتراك في الشركة وضريبة استهلاك وغيرها من الرسوم المفروضة على الخدمات في معظم الدول، ولكن كمية الضرائب هذه المرة كانت مرتفعة لدرجة أنها بلغت تقريباً حد الاستهلاك الطبيعي وهنا بدأ الشك يدور في ذهني، هل أتعرض للسرقة؟!، هل هناك من قام بالعبث في عداد الكهرباء أم ماذا، وبعد مراجعة الشركة شرحوا لي الأمر كاملاً كما فصلته لأول مرة في الفاتورة، وأخبروني أن الحكومة زادت من سعر الكيلو واط بمعدل 9 % إضافة لرفع نسبة الضرائب المفروضة”.

وأضاف القاسم: “بالنسبة للماء فقط كان الموضوع أخف وطأة ولم يتم رفع الضرائب بهذا المعدل، ولكن كان هناك زيادة طفيفة على رسوم الاشتراك، وفهمت المغزى كله بعد شرح أحد الجيران الأتراك واقع الامر، والذي أخبرني بأن الدولة بدأت تتجه لكبح المشكلة الاقتصادية التي تمر بها تركيا نتيجة انخفاض عملتها بهذا الشكل الكبير”، لافتاً إلى أن الحكومة أوعزت لجميع المواطنين والمقيمين على أراضيها لاستخدام الليرة التركية في جميع التعاملات التجارية صغيرة كانت أم كبيرة بهدف الحد من استخدام الدولار وضبط قيمته التي بدأت تتزايد بسرعة جنونية وسط انهيار لليرة التركية وفق تعبيره.

عشرات العمال خارج مصانعهم والسوريون أول المتأثرين
أما على صعيد العمل فقد أدى ارتفاع أسعار المواد الأولية المخصصة للتصنيع نتيجة الانهيار السريع لليرة التركية، لتوقف عدد من الورشات والمصانع عن العمل، ولجوء القسم الأكبر منها للعمل المحدود الذي يعتمد على إنتاج أقل بكثير من الإنتاج المعهود للمعمل وذلك بسبب اضطرار معظم أرباب العمل للتخلي عن عمالهم في ظل عجزهم عن الموازنة بين تكاليف الإنتاج وأسعار المواد الأولية التي تحتاجها معاملهم إضافة لكساد البضائع بعد رفع أسعارها بما يتناسب مع سعر المواد المصنعة منها.

ويروي اللاجئ السوري “صالح سليمان” أحد العاملين في ورشة لصناعة المفروشات (الموبيليا) بمدينة “أنطاكيا” في حديث لـ “أورينت نت” قصة توقف معمله منذ أيام، بعد أن أخبرهم رب العمل أن أمور معمله بدأت تتدهور بسبب الغلاء الكبير الذي عصف بالأسواق، حيث يقول: “قبل أربعة أيام فقط توقفت عن العمل، نعم أخبرنا رب العمل أنه علينا الانتظار لمدة شهرين قبل الانطلاق من جديد ريثما يستعيد المعمل توازنه المعهود، والسبب هو بلوغ سعر الدولار أكثر من 5 ليرات تركية، وهو ما لم نعهده منذ دخولنا إلى تركيا حيث كان الدولار حينها يعادل نحو ليرة ونصف الليرة أو 1.75 ليرة تركية فقط، وقد شرح لنا رب العمل سبب ذلك بالتفصيل حيث فتح قائمة بالمواد التي نستخدمها وبدأ يجري مقارنة أمامنا بين سعرها القديم والجديد، وبدأ يجري عمليات حسابية بين التكلفة وسعر البيع والأرباح التي باتت شبه معدومة وطلب منا إيجاد عمل حالياً ريثما يتصل بنا مجدداً كي نعود للعمل”، لافتاً إلى أن هذه الإجراءات طالت عشرات العمال في عدة معامل بالمدينة الصناعية بأنطاكيا، فيما كان غالبية العمال سوريين لكونهم لا يملكون أي عقود في شركات التأمين تجبر رب العمل على دفع معاشاتهم في حال كان رب العمل هو المسبب في إيقاف عملهم، وهو ما جعل التخلي عنهم أمراً أسهل من بعض العمال الأتراك المسجلين لدى دوائر التأمين.

دعوات غير مستجابة والدولار سيد الموقف
رغم دعوات الحكومة لدعم الاقتصاد الوطني والعملة المحلية، إلا أن غالبية التجار وبخاصة في هاتاي امتنعوا عن إجراء أية صفقات أو عمليات بيع أو شراء بالعملة المحلية، حيث يقول “نور عثمان” أحد باعة الهواتف النقالة “الموبايلات” في مدينة “أنطاكية” التركية في حديث لـ “أورينت نت”، إن “التجار الذين يوزعون قطع التبديل والغيار علينا إضافة للهواتف الجديدة تركوا التعامل بالليرة التركية منذ أن أصبحت قيمة الدولار تعادل 4 ليرات ونصف الليرة، حيث يقوم التاجر بسؤال صاحب المحل عما يلزمه وإن كان يملك ثمنه سلفاً بعد أن كان في السابق يجري التعامل على الفواتير والحساب كل شهر فقط”.

موجة الغلاء لم تقتصر على الصناعات فحسب، بل امتدت لتشمل كافة مقومات الحياة الأخرى حيث شهدت الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد الغذائية والخضار والبقوليات وكل شي يعتمد على “التجارة”، حيث بات كيلو الأرز في بعض الأماكن يباع بـ 10 ليرات تركية بعد ان كان 7 ليرات قبل 15 يوماً فقط، والسكر أصبح يباع بنحو 7 ليرات تركية بعد أن كان يباع بنحو 4 ليرات، وبالتناهي عن أسعار المواد الأخرى التي تضخم سعرها ليصبح صادماً عند السؤال عنه.

صمت حكومي إزاء ما يجري ورفض لأية تصريحات
تواصلت “أورينت نت” مع مديرية المالية في مدينة أنطاكيا التركية، ولكن دون جدوى، حيث امتنع موظفو المديرية عن الإجابة على أية أسئلة حول الموضوع قائلين “هذا ليس من شأننا”، فيما امتنع أحد موظفي “بنك الزراعات” عن التصريح بأية كلمات مكتفياً بأن سعر الصرف الحالي هو كذا ولم يذكر أي سبب حول الأمر مكتفياً بالإجابة: (سيكون هناك حل بالتأكيد).

فيما عجت مكاتب التصريف السورية والتركية بالناس الراغبين في تحويل ما يملكونه من دولارات إلى الليرة التركية في محاولة لكسب السعر الحالي والاستفادة من غلاء الدولار، فيما عمد بعض الصرافين ومكاتب الحوالات على حجز بعض الحوالات الكبيرة بغية الاستفادة منها مستغلين السعر المتأرجح للدولار بين ساعة وأخرى.

 

إورينت

 

 

شارك الى منصات التواصل لديك:
قيّم هذا الخبر:
لا يوجد تعليقات

اكتب تعليقاً