السوريون في تركيا.. محبّو أردوغان لا “شبيحته”

 

تجاوز عدد السوريين في تركيا 3,5 مليون لاجئ، أكثر من نصفهم يعملون في المعامل والمصانع التركية بدوامٍ يومي يتجاوز معظم الأحيان 12 ساعة عمل، وبمعاش لا يكاد يسدّ آجار المنزل وفواتير الماء والكهرباء والغاز. ومعظم النصف الآخر يعيش على ما يرسله لهم أقاربهم ومعارفهم من حوالات من باقي دول العالم، ومنهم من يعمل ضمن منظمات وجمعيات ومؤسسات مختلفة. ونسبة بسيطة تعيش من أعمالها الخاصة ويؤدّون، كالمواطنين الأتراك، كافة التزاماتهم تجاه الدولة والحكومة التركية.

وجلّ أولئك السوريين يعيشون في تركيا، هم تحت بند “الحماية المؤقتة” ولا تنطبق عليهم صفة “اللجوء” كتلك التي حصل عليها من هرب ولجأ إلى الدول الغربية من القارة الأوروبية، وبالتالي لا يوجد هنا، بتركيا، من يدفع عنهم أجرة منازلهم، أو فواتيرهم، أو ثمن طعامهم ومواصلاتهم إلاهم، عدا أولئك القاطنين في مخيمات المدن الحدودية، والذين لا تتجاوز نسبتهم الـ  8% من السوريين، ورغم ذلك هم يعانون من ضنك العيش في الخيام وقيود نظام المخيّمات.

والسؤال الذي لا يزال يقض مضاجع فئة من السوريين، من مختلف الأطياف والمشارب السياسية، ومنهم ما يحسب نفسه على المعارضة أو الثورة السورية: ما هو سرّ الغيرة الفائضة، والدفاع المستميت عن تركيا وعن رئيسها رجب طيب أردوغان، من قبل السوريين، رغم كل تلك الظروف؟!

وللإجابة عن السؤال، أودّ أولاً تذكيرهم بالمظاهرات الأولى التي خرجت في المدن السورية على خلفية خطاب مستشارة رئيس النظام “بثينة شعبان” حين وصفت الثوار والمتظاهرين بأنهم “جوعى وفقراء” ويطالبون بإصلاح اقتصادي، ليهتف المتظاهرون يومها “يا بثينة ويا شعبان.. الشعب السوري مو جوعان”.. حينها كان السوريون يطالبون بالحرية والأمان والعيش بكرامة، ولم يكن همّهم المال ورغيف الخبز وزيادة الأجور. كان التاجر والطبيب والمعلّم والمهندس والمحامي أول من خرج في تلك المظاهرات، وكلهم مقتدرون مادياً واجتماعياً.. كانوا حينها يطالبون بنظام إنساني يرفع الجور والظلم الذي لحق بالسوريين طيلة أربعين عاماً ويزيد.

وبعد أن عصفت بهم آلة القتل والتدمير والتشريد، لاذ من بقي حياً منهم بدول الجوار، ومنها تركيا، الجارة الوحيدة غير العربية، والدولة التي أشبعتهم كتب التاريخ والقومية في مناهج الأسد بالكره والضغينة تجاهها، وألهبت مشاعرهم ضدها وضد شعبها منذ اللحظة الأولى التي تعلموا فيها القراءة والكتابة..

دخلوها، وهم الذين لا يتقنون لغتها والتعامل مع شعبها، وما هي إلا أيام قليلة حتى أدركوا بأن أهل الأرض هم أبسط بكثير وأروع مما كانوا يظنّون. والأتراك، لمن لا يعرفهم، هم مزيج من عدة أقوام وعرقيات لا تفريق بينهم البتة، وصار السوريون اليوم جزءاً من هذا المزيج العجيب، الذي جمع بين بساطة وكرم الريف،  وصلابة الشرق، وروح الإسلام، وانفتاح الغرب، واحترام التاريخ.

ببساطة شديدة، شعر معظم السوريين بأن هذا المجتمع هو جزء منهم، أو تمنوا ذلك، ورؤوا فيه فردوسهم المفقود، الذي أبى رئيس النظام السوري إلا إحالته لجحيم مسعور في بلدهم.

تفاصيل كثيرة ومتفاوتة دفعت العديد من السوريين للاستقرار في تركيا وعدم مغادرتها والتوجه صوب دول الغرب البعيد و”السعيد”.

فهنا، شعر السوريون بالأمان، وبحرية ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم، وطرح رؤاهم السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. هنا، لم يخف السوريون على أسرهم ومستقبل أبنائهم من التفكك والضياع أوالانحلال الأخلاقي والاجتماعي.. هنا السوري شعر بأنه مُلك نفسه، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، رغم التعب والكدّ المتواصل.

كل ذلك، جعل السوريين بتركيا يشاركون الأتراك أفراحهم وأتراحهم، دون الاكتراث بما يحيطهم، ويدعون من الله صباح مساء بألا يمسّهم سوء، كالذي مسّ السوريين أنفسهم.

يبرّر من ينعت السوريين بـ “تشبيحهم” لتركيا، بأن حكومتها متحالفة مع أعداء الثورة السورية كروسيا وإيران، وكأن إيواء السوريين على الأراضي التركية، واحتضانها للثوار ومؤسسات المعارضة، يحتّم على حكومتها نسف مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول الإقليم، والعيش بعزلة دولية، لا سيما بعد خيانة الأوروبيين والتجييش المعلن ضدها من قبلهم ومن قبل الأمريكان الذين خانوا حليفهم، ودعمهم الواضح والصريح لمنظمات إرهابية تهدد كيانها وحدودها وتحاربها لأكثر من ثلاثة عقود مضت، وتسعى لإقامة إقليمها المزعوم ليس في الشمال السوري فحسب وإنما في جنوب تركيا أيضاً. فالدولة التركية، كغيرها من الدول الأخرى، لها أولويات في ما يتعلّق بأمنها وبمصالحها وسياساتها الخاصة، دون التعرّض والمساس بحقوق السوريين المقيمين على أرضها، بعكس ما فعلت وتفعل معظم دول أوروبا، وشعوبها، والخليج العربي ولبنان ومصر وغيرها من دول اللجوء السوري، والتي تُحالف نظام الأسد في السر والعلن، وتشاركه قتل السوريين وتهجيرهم، والتضييق عليهم على أراضيهم. ومعظمنا يعلم اليوم حجم الهجرة العكسية التي يشهدها السوريون باتجاه تركيا من كبرى دول أوروبا، والمغادرين من دول الخليج العربي إليها!

أما ما يتعلّق بمحبة السوريين لشخص الرئيس “أردوغان”، فلعل حادثة 15 تموز/ يوليو 2016، ليلة الانقلاب الفاشل، كانت المحكّ الرئيسي الذي واجه السوريين داخل تركيا وخارجها على وجه الخصوص، وصدم العالم عامة، حين شاهدوا شعباً أعزل بأكمله يخرج إلى الشوارع والميادين ليقف بوجه أعنف وأخطر الانقلابات العسكرية التي مرّت بها تركيا خلال تاريخها المعاصر، والذي لو كتب له النجاح لما استطعنا تخيّل ما قد يحصل في تركيا والمنطقة، وعلى الأخص ما يحصل لأكثر من 3 مليون مهجّر سوري فيها. أفشل الشعب التركي ذلك الحريق الذي غذّته كبرى دول العالم، ونصفها عربي، بعبارة بسيطة  أطلقها رئيس دولتهم من هاتف خلوي، دون حتى معرفتهم بمكانه، حين قال: “اخرجوا إلى الميادين..”!

جاءت تلك الحادثة لإتمام وبلورة مفهوم العقد الاجتماعي الحقيقي بين السلطة والشعب، الذي افتقره السوريون طيلة عقود من الزمن جراء نظام استبدادي وحشي، وشعروا بقيمته يوم لمسوا ثقة الأتراك برئيسهم، تلك الثقة التي لم تكن لتتجسد أصلاً لولا إخلاص ذلك الرئيس لشعبه ووطنه طيلة مسيرته السياسية، وهذا بالذات ما حلم به السوريون يوم خرجوا بثورتهم.

بعد كل ذلك يخرج على السوريين، ثلة من الرويبضة، يعيبون عليهم غيرتهم على الأتراك ودفاعهم عنهم وعن الرئيس أردوغان، وينعتونهم بألقاب مستوردة من عصابة النظام الذي شرّدهم ونكّل بوطنهم، فشتّان بين “شبيحة” ربّاهم النظام ليقتلوا ويقتاتوا من “التعفيش”، وبين ثوار مهجّرين كرام حلموا بشعب واحد على اختلاف أصوله وأطيافه كما الأتراك، وبرئيس كرئيسهم أردوغان ليحبّوه ويحترموه.. وليكونوا شعبه لا “شبيحته”.

 

 

أحمد طلب الناصر

شارك الى منصات التواصل لديك:
قيّم هذا الخبر:
لا يوجد تعليقات

اكتب تعليقاً